المقريزي
20
إمتاع الأسماع
ويعاين من آثار فضل الله أشياء : فشق في صغره بطنه واستخرج ما في قلبه من الغل والدنس ، فكان يعاين الأمر معاينة ثم كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه فقال : السلام عليك يا رسول الله . فكان يلتفت يمينا ويسارا فلا يرى أحدا ( 1 ) . وكانت الأمم تتحدث بمبعثه وتخبر علماء كل أمة قومها بذلك . ثم كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ( 2 ) . فكان أول شئ رآه من النبوة في المنام بطنه طهر وغسل ثم أعيد كما كان . تحنثه بحراء وبدء الوحي وحبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء كما كان يفعل ذلك متعبدو ( 3 ) ذلك الزمان ، فيقيم فيه الليالي ذوات العدد ، ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها يتحنث ( 4 ) بحراء ومعه خديجة ، فيقال : إنه أول ما رأى جبريل عليه السلام بأجياد ( 5 ) فصرخ به : يا محمد يا محمد . بعثته ثم فجأة ( 6 ) الحق وهو بغار حراء ( 7 ) يوم الاثنين لثمان عشرة خلت من رمضان
--> ( 1 ) أخرج الترمذي نحوه في صحيح سنن الترمذي للألباني ج 3 ص 192 حديث رقم 3885 وقال في آخره : " صحيح " . ( 2 ) المرجع السابق حديث رقم 3893 ، وقال في آخره : " حسن صحيح " . ( 3 ) في ( خ ) " متعبدوا " بألف بعد الواو ، والمعروف عند أهل اللغة أن جمع المذكر السالم تحذف منه ألف واو الجماعة إذا أضيف . ( 4 ) تحنث : تعبد ، وفعل ما يخرج بن الحنث ، والحنث : الذنب ( المعجم الوسيط ج 1 ص 201 ) ( وهذه اللفظة في ( خ ) : يتجنب " ) . ( 5 ) قال أبو القاسم الخوارزمي : أجياد موضع بمكة يلي الصفا ، وهو أحد جبال مكة غربي المسجد الحرام . وقال الأصمعي : هو الموضع الذي كانت به الخيل التي سخرها الله لإسماعيل عليه السلام ( معجم البلدان ج 1 ص 130 ) . ( 6 ) قوله : " فجأه الحق وهو بغار حراء " أي جاءه بغتة على غير موعد كما قال تعالى : ( وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك ) آية 86 / القصص ، ( البداية والنهاية ج 3 ص 6 ) ، وفي ( ط ) " فجئه " والتصويب من ( المعجم الوسيط ) : " فجأة الأمر فجئا ، وفجأة ، وفجاءة : بغته ( ج 2 ص 674 ) . ( 7 ) وحراء : يقصر ويمد ، ويمنع ويصرف ، وهو جبل بأعلى مكة على ثلاثة أميال منها عن يسار المار إلى منى ، له قلة مشرقة على الكعبة منحنية ، والغار في تلك الحنية . ( معجم البلدان ج 2 ص 269 ) .